حيدر حب الله

508

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

3 - وعندما أتحدّث عن وجود بيئة تراثية حاضنة للتطرّف عند هذا المذهب أو ذاك ، فهذا يعني أنّنا بدأنا نتكلّم عن تطرّف يقوم على خلفيّة فكريّة وتراثية ودينيّة ، ومن ثم سينفتح أمامنا الباب في أن نعذر المتطرّف هنا أو هناك ؛ لأنّ تطرّفه هذا جاء نتيجة قراءة دينيّة ، ولم يأتِ من فراغ ، فالاجتهاد الموضوعي يوصل أحياناً إلى التطرّف ما دام الخطأ وارداً في الفهم أو الإثبات ، وعلينا احترام هذا التطرّف - فكريّاً وثقافيّاً - ما دام وجهة نظر اجتهاديّة في علوم العقيدة تارةً والشريعة أخرى . لكنّ عذر المتطرّف في اجتهاده القائم على النصوص مثلًا ، لا يعني عدم وجود حقّ لي في الدفاع عن وجهة نظري وعن حقوقي التي يريد هذا المتطرّف أو ذاك سلبها منّي بحجّةٍ دينية يراها هو باجتهاده ، ففي الوقت الذي قد أعذر بعض المتطرّفين لكنّني أجد نفسي مضطراً لمواجهته بغية أن أحصل على حقوقي التي أؤمن بها وفقاً لقراءة دينية مختلفة عندي ، فهذا مثل مجاهد يظنّك من جنود العدو فيصوّب البندقيّة إليك ليقتلك ، ففي الوقت الذي تؤمن أنت بكونه معذوراً فيما يفعل ، تسعى لصدّ هجومه عليك ، حتى لو اضطررت لاستخدام النار وقتله دفاعاً عن نفسك ، فليس مواجهة التطرّف سلباً لحقّ المتطرّف في الاجتهاد أو لعذره فيما يراه ، بل هي إثباتٌ لحقّي في الاجتهاد مقابل سلبه حقّي هذا منّي ، وبهذه الطريقة أنظر إلى المتطرّف المذهبي أو المتطرّف داخل المذهب الواحد بنظرةٍ أخويّة وبعين ملؤها المحبّة ، في الوقت عينه الذي أدافع بكلّ وسائل الدفاع المشروعة عن حقوقي وعن الدين والقيم التي أراها بيني وبين ربّي ، وهذا ما يبقي باب الحوار والأخوّة مفتوحاً حتى مع المتطرّف . ولعلّه من هنا عبّرت آية البغي ( الحجرات : 9 ) بأنّ الطائفتين المتقاتلتين